الصفحة الرئيسية| غرفة الأخبار | إبحث | أرشيف الأخبار| الإجهاض | كيف أعيش سرّ التوبة ؟| اليوثانيجيا | الطلاق| تراتيل| العفة|الخلايا الجذعية نقاط التكلّ‍م | الإستنساخ|

البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير: المحافظة على الحياة قبل أن تبصر النور وبعده، واجب مقدّس

خطبة الأحد

بكركي، 16 أيلول 2007

"إن ابن الإنسان لم يأتٍ ليُخدم، بل ليَخدم" (مر 10/45)

يتحدّث الإنجيل اليوم عن الأمثولة التي لقّنها السيد المسيح رسله. وكان التلميذان يعقوب ويوحنا اقتربا منه ليسألاه أن يحقّق لهما ما يطلبان. فسألهما ما هو المطلوب؟ قالا إذاك: أن يجلس أحدنا عن يمينك والآخر عن شمالك في مجدك. ولكن يسوع أجابهما على الفور: إنكما لا تعلمان ما تطلبان، وأضاف: أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها، وأن تتعمّدا بالمعمودية التي أنا أتعمّد بها؟ أي هل تستطيعان أن تتحمّلا ما سأتحمّله من آلام؟ فأجاباه: نعم. ولكن يسوع قال لهما على الفور: "ستشربان الكأس التي سأشربها، وستتعمّدان بالمعمودية التي أنا أتعمّد بها، أما الجلوس عن يميني أو عن شمالي، فليس لي أن أمنحه إلاّ الذين أُعدّ لهم".

وأثار حديث الرسولين مع يسوع حفيظة باقي الرسل العشرة. فناداهم يسوع وقال لهم: تعلمون أن الذين يُعتبرون رؤساء الأمم يسودونهم، ويتسلّطون عليهم، أمّا أنتم فليس الأمر كذلك بينكم، وأعطاهم القاعدة التي يجب السير عليها، وهي: "من أراد أن يكون الأول بينكم، فليكن عبدًا للجميع"، وأعطاهم نفسه مثلاً للاقتداء به، وختم قوله لهم: "إنّ ابن الإنسان أيضًا، لم يأتِ ليُخدم، بل ليَخدم". وهذا هو سرّ الفداء. وكما كان بعض القادرين يدفعون مبلغًا من المال لتحرير العبيد، هكذا إن يسوع المسيح بذل نفسه ليحرّر الناس من الخطيئة المميتة.

وننتقل إلى الحديث عن الشرائع غير الكاملة، والظالمة، كما أشارت إليها رسالة البابا يوحنا بولس الثاني التي عنوانها: إنجيل الحياة، خاصة في ما يتعلّق في المحافظة على الحياة وحمايتها. وهذا ما سنتوقّف عنده اليوم.

1. الشرائع غير الكاملة والظالمة

إن دور الشريعة المدنيّة يقوم على: "تأمين الخير العام للناس عن طريق الاعتراف بما لهم من حقوق والدفاع عنها، والعمل على صيانة السلام، والآداب العامة،على ما يقول البابا يوحنا بولس الثاني[1]. والخير العام السياسي هو المقياس لما للشرائع المدنية من قيمة أدبية سياسية. والشرائع التي تتوافق، الآن وهنا، على الخير العام هي عادلة. وتلك التي، الآن وهنا، تناقض الخير العام أو تضرّ بمحتواه الجوهري هي ظالمة وغير عادلة. والشرائع العادلة قابلة دائمًا - أو تقريبًا دائمًا - للاستكمال، على الأقل من ناحية صياغتها وفاعليتها القانونيّة، والشرائع الظالمة بإمكانها أن تكون أقل أو أكثر ظلمًا. ولكن، من ناحية قيمتها الأدبيّة والسياسيّة، ليس بين الأولى والثانية أيّة صيغة وسيطة.

2. الشرائع أربعة أقسام

يمكننا أن نقسم الشرائع الظالمة إلى أربعة أقسام:

القسم الأول ينطوي على الشرائع التي تسعى إلى تنظيم السلوك الغريب عن مفهوم الخير العام، أي تلك التي، في جميع الظروف العملية، لها طابع شخصيّ أو خاص، والتي بوصفها هذا، ليست من اختصاص الدولة وأجهزتها التشريعيّة. وقد تطّرقت الرسالة العامة التي نشرها البابا يوحنا بولس الثاني، والتي عنوانها "إنجيل الحياة"، وأكّدت أن الشريعة المدنيّة، لا يمكنها، في أي ميدان من ميادين الحياة، أن تقوم مقام الضمير، ولا بإمكانها أن تملي قواعد تخرج عن صلاحيتها. ولهذا إنّ الشرائع التي تأمر مثلاً بسلوك خاص، أو تنهى عنه هي شرائع ظالمة، فيما يعتبرها المواطنون غير جائزة أو إجباريّة لاعتبارات دينيّة أو أخلاقيّة.

القسم الثاني هو مؤلّف من شرائع تمسّ بالأملاك العامة، أو بحقوق تتعلّق بالأملاك العامة (كحقوق الشخص الأساسيّة، والنظام العام، والعدالة وما شابه)، أو تحرمهم من الحماية الضروريّة. وهي بالتالي شرائع ظالمة تلك التي لا تجيز للدولة وحسب أن تعتدي على أحد حقوق الإنسان، بل أيضًا الشرائع التي تجيز للدولة أن تخلّ بواجب منع خرق حقوق شخص أو عدّة أشخاص أساسية وإنزال العقوبة بها (وهذه مثلاً هي حال الشرائع التي تسمح بالإجهاض).

القسم الثالث يتعلّق بالشرائع القائمة على أساس غير شرعي، أي تلك التي يصدرها أشخاص ليسوا ذوي اختصاص، أو أشخاص، ولو كانوا ذوي اختصاص، لا يحترمون الصيغ القانونية القائمة. ولهذا يُعتبر ظالمًا مثلاً القانون الذي تصدره الدولة التي تريد، دون سبب عادل، أن تسنّ شرائع تتعلق بموضوع هو من صلاحيّة إحدى المناطق حصرًا، بحسب الدستور، أو بقانون يصدره المجلس النيابيّ، وهو يرمي زورا إلى التهرّب من تدابير أساسيّة ينصّ عليها النظام البرلماني.

القسم الرابع يتعلّق بالقوانين الظالمة التي لا توزّع الأعباء وفوائد الحياة العامة توزيعًا عادلاً بحسب عدد جميع السكان. وهذا مثلاً القانون الضريبي الذي يعاقب فئة من الناس كالموظّفين والعائلات، أو ينشئ وضعًا خاصًا لفئة من المواطنين كذوي المهن الحرّة، والعازبين وما شابه.

ولتبيان ما يجب أن يتخذ المواطنون من مواقف بالنسبة إلى القوانين الظالمة، يقتضي لذلك بعض الشرح. يمكن التأكيد أنّ القوانين الظالمة، لا تلزم ضميريًا، وعلى المواطنين ألا يعطوا أصواتهم الذين عملوا على سنّها. والبابا يوحنا بولس الثاني يقول في رسالته: "إنجيل الحياة": إنّ القوانين الظالمة هي قوانين غير كاملة، أي أنّها غير واضحة، ويمكن أن تكون خادعة. وبعدُ أن كلّ شريعة إنسانيّة هي، من طبيعتها، غير كاملة وقابلة للكمال، لكن عندما تكون مضادّة لحق إنسانيّ أساسيّ، وتسمح بخرقه، فهي ليست فقط غير كاملة، لا بل ظالمة.

3. مسألة ضميرية

ولكن عبارة "قانون ظالم" قد يحمل على التساؤل عن أي موقف يجب اتخاذه بالنسبة إليه، سواء أكان بالنسبة إلى الحق الذي يجب تأسيسه، أو الحق المؤسس. إن رسالة البابا تقول: "هناك مسألة ضميرية خاصة قد تعرض في حال إن تصويتًا في مجلس النواب يكون حاسمًا لتفضيل قانون يرمي إلى تضييق عدد الإجهاضات المسموح بها، ليقوم مقام قانون أكثر تشدّدًا، أي يرمي إلى التسامح بالإجهاض، ويكون النواّب قد صوّتوا عليه. وهذه حالات ليست نادرة. ويُلاحظ أنّ في بعض البلدان تتوالى الحملات لإدخال قوانين تسهّل الإجهاض، تؤيّدها عادة منظّمات دولية كبيرة، بيد أنه في بلدان أخرى _ خاصة تلك التي جرّبت مثل هذه القوانين المتساهلة- تظهر علامات تفكير جديد. وعندما تستحيل ملافاة قانون يجيز الإجهاض أو نقضه، يستطيع النائب الذي يناقض اقتراح الإجهاض، ويكون اقتراحه قد أصبح معروفا لدى الجميع، أن يساند اقتراحات ترمي إلى التخفيف من النتائج السلبية على الصعيد الثقافي والأخلاقي العام. وبفعله هذا، لا يكون قد أسهم إسهامًا غير جائز في سنّ قانون ظالم. ويكون قد حاول محاولة مشروعة، وهذا واجب، للحدّ من وجوه هذا القانون الظالم، على ما يقول البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته: إنجيل الحياة[2] .

ولنأتِ إلى لبّ المشكلة. إن عبارة "قوانين غير كاملة" يمكنها أن تقود إلى الخطأ بالنسبة إلى الموقف الذي يجب اتخاذه بالنسبة إلى القوانين الظالمة. و لكن رسالة البابا تبرز حكمًا على موضوع قائم. وهي تشرح ما هو الموضوع الأدبيّ لعمل يقوم به النواب، ولا تقبل بنظرية الشرّ الأقل. ولا تجيز المساومة التي تعتبر الإجهاض شرعيًا ولو ضمن بعض حدود.

ويمكن اختصار المسألة بالقول: إنّ الشرائع التي تقدّم حماية غير كاملة لحق الحياة، ولو كانت تحمي هذا الحق أكثر من غيرها من القوانين القائمة، هي قوانين ظالمة وهي، بحدّ ذاتها، غير مقبولة، ويجب رفضها لدى التصويت. وبحسب رسالة البابا: "إنجيل الحياة"، لا يمكن إقرار مثل هذا القانون، إلاّ إذا كان التصويت الوسيلة الوحيدة للحدّ من عواقبه الوخيمة، دون أن يكون النائب غير مسؤول أدبيًا عن قيام قانون ظالم.

أيها الأخوة والأبناء الأعزاء ،

المحافظة على الحياة قبل أن تبصر النور وبعده، واجب مقدّس. ومن قتل جنينا كمن قتل رجلاً، حسابه لدى ضميره وربه عسير، وان لم تطله قوانين الأرض. لذلك يجب النظر إلى هذا الأمر بجدّية كليّة.

وان ما نسمعه ونقرأه في هذه الأيام يدلّ على أن حياة الناس أصبحت وكأنها لا قيمة لها، بدليل هذا التصرّف المعيب الذي يتميّز به كثير ممن يتعاطون الأمور العامة. وهناك من يقولون أن بعض الفئات تتسلّح، كأن ما حدث من ذي قبل، وهو لا يزال قائمًا في ذاكرة كل المواطنين، لم يكن أمثولة رادعة، وكأن الذين سقطوا ضحايا العنف من كلّ الطبقات، وبالأمس خاصة من أفراد الجيش اللبناني، لم يكونوا كافين لكي يفكّر بعض اللبنانيين بغير العنف والقتل.

وان الجدل القائم بشأن تأمين النصاب المطلوب لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، لا يدلّ على وطنية سليمة. والمطلوب الآن النظر في مصلحة الوطن والمواطنين، وليس في مصلحة هذا أو ذاك من المسترئسين. والأهم أن نعرف كيف نحافظ على أجيالنا الطالعة فلا تكفر بهذا الوطن، وتغادره دون أمل بالعودة. وهذا يقود إلى ضياع الوطن، ولا نعتقد أن أحدًا من اللبنانيين يريد لوطنه هذا المصير القاتم. نسأل الله أن يقينا سؤ المصير.


--------------------------------------------------------------------------------

1. إنجيل الحياة عدد 71 الصادرة في 25 آذار 1995

2.  إنجيل الحياة عدد 73 مقطع 3

 


مار شربل للحياة
Saint Charbel for Life Movement
Back to Home page
E-mail us: info@lilhayat.com